أبي طالب المكي

119

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

بعض الأدباء في معناه : من لم يكن للوصال أهلا * فكل إحسانه ذنوب وقال آخر في وصف آخر : في وجهه شافع يمحو إساءته * من القلوب ويأتي بالمعاذير وأنشدت لبعض المريدين المتحققين : أني جعلت منظري في مهجتي * وجعلت ودك لي إليك شفاعة ولو أن وقتا منك بالدهر كله * لكان قليلا ألف عام بساعة فليتق الله تعالى عبد لم يطلعه الله عزّ وجلّ على ما ذكرناه . فيزهد فيه ويعلو همه عنه بمشاهدة قدرة عظيمة ، ومعاينة آيات كثيرة ظاهرا وباطنا . أن يدعى المعرفة أو يتوهم المحبة فما عنده منها إلا أماني وغرور وظنون وزور . والله تعالى يعطي قوما الظنون كما يعطي أولياءه اليقين ، ويعطي قوما المزورات لعلل القلوب كما يعطي أحباءه المحققات في مقام محبوب ، بآيات بينات وشواهد من اليقين ، بإثبات آيات في القرآن وآيات الرسول . ولا يظهرهم على كن حتى ينكشف الكون عن قلوبهم . وفي الكون ما فيه من نفيس الملكوت وعظيم الرغبوت ، مما لا يصلح ذكره . واعلم أنّ آفات النفوس وزينة الملك : حجب قلوب العموم وحظوظ العقل وشهوات الأرواح من رغبوت الملكوت ، حجب قلوب الخصوص وسمو القلب إلى معاني الدرجات التي يشاهدها ، ووقوفها مع خصائص الرحموت والرغبوت التي يطالع بها ، حجب قلوب المحبوبين لأنهم إذا جاوزوا شهوات النفوس ورفعت بحبهم عنه حجب العقول وقعوا في شهوات الأرواح ، فلا يواجهون بالوجه ولا ينظرون إلى الوصف حتى يجاوزوا أيضا شهوات الأرواح وينكشف عنهم أيضا ، حجب الأنوار فيخلفوا الرسم ويغيروا الوسم ، فإذا انكشفت المقامات وانقطعت الفضائل وحققت المطالعات وسقطت المنازل والدرجات ، اصطلم الطالب وغلب المطلوب وفنى الراغب وبقي المرغوب ، أظهر لهم التعلق بالاسم وهو آخر الحجب وأول القرب ، يبتليهم به لينظر كيف يعملون في الوسم . فعندها حقت كل من عليها فان ويبقى وجه ربك الآية . وهناك صح له هذا المقام وفي معناه : ظهرت لمن أفنيت بعد بقائه * فصار بلا كون لأنك كنته فهذا مكان وجده بموجوده وقيامه بقيوميته ، بعد أن كان واجدا بكونه وقائما بقيامه